كلنا نعرف ان الملك المغفور لهمحمد الخامس توفي في 26/2/1961 عقب خضوعه لتدخل جراحي وصف في حينه بالبسيط و غير معقد مرتبط بمشكل صحي على مستوى الأنف و الحنجرة و الحاجز الأنفيّ و أجريت له العملية في عيادة تابعة للقصر الملكي حيث ان الوفاة وقعت بعد 10 دقائق من بدأ العملية بتوقف مفاجئ في القلب و تمت فتح القفص الصدري ليعمل تدليك للقلب رغم غياب اخصائي قلب و غياب فريق إنعاش متكامل و هذه ثغرة خطيرة لفتح باب تساؤل علمي مشروط و طرح أسئلة فيما إذا كانت الوفاة فعلا غير طبيعية من المستفيذ ????
عرفت منطقة المغرب الكبير خلال مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر تحولات جيوسياسية عميقة، لم تكن نتيجة قرارات وطنية خالصة بقدر ما كانت امتداداً لترتيبات استعمارية سابقة، خاصة تلك التي وضعتها فرنسا في المجال الصحراوي. فقد شكّلت الصحراء، سواءا الغربية أو الشرقية المغربية أو موريتانيا منذ أواخر الخمسينيات، فضاءً استراتيجياً بالغ الأهمية، ليس فقط بسبب امتدادها الجغرافي، بل أيضاً لما تحمله من رهانات عسكرية، نووية، وحدودية.

في هذا السياق، تبرز عدة قضايا مترابطة: مطالب المغرب بالحدود الشرقية، موقف الملك محمد الخامس من التجارب النووية الفرنسية، استقلال موريتانيا، وأخيراً التحولات التي عرفها ملف الصحراء مباشرة بعد وفاة محمد الخامس سنة 1961. وتطرح هذه العناصر مجتمعة تساؤلاً مركزياً حول دور فرنسا في إعادة تشكيل المجال الصحراوي المغاربي خلال هذه المرحلة الدقيقة.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه القضايا في إطار واحد، يُظهر أن الصحراء لم تكن ملفات متفرقة، بل كانت وحدة استراتيجية فرنسية متكاملة، وأن وفاة محمد الخامس مثّلت لحظة فاصلة أعادت ترتيب موازين القوى دون الجزم بوجود تورط مباشر، ولكن مع تسجيل تحولات سياسية لافتة بعدها مباشرة.

أولاً: محمد الخامس ومطلب استرجاع الحدود الشرقية

منذ حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، عبّر الملك محمد الخامس بشكل واضح عن رفضه للحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي، معتبراً أنها حدود مصطنعة فصلت بين مجالات تاريخية كانت مرتبطة بالمغرب قبل الاحتلال.

1. الخلفية التاريخية للحدود الشرقية

قبل فرض الحماية الفرنسية، لم تكن هناك حدود دولية بالمعنى الحديث بين المغرب والجزائر، بل كانت هناك مجالات نفوذ قبلية وإدارية متداخلة، تمتد من فكيك وتندوف إلى بشار. غير أن الإدارة الاستعمارية الفرنسية، وبعد اكتشاف أهمية الصحراء، عملت على دمج مناطق شاسعة داخل ما سُمّي بـ”الجزائر الفرنسية”، خاصة خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وبعد الاستقلال، طالب المغرب رسمياً بإعادة فتح ملف هذه الحدود، مستنداً إلى:
• روابط تاريخية وقانونية سابقة للاستعمار
• مبدأ تصفية الاستعمار الكامل
• رفض تكريس التقسيمات الاستعمارية

2. موقف محمد الخامس السياسي

تميّز موقف محمد الخامس بالحزم والوضوح، إذ:
• رفض الاعتراف بشرعية الحدود الموروثة عن الاستعمار
• طالب بحل تفاوضي يعيد النظر في وضع مناطق مثل تندوف وبشار
• اعتبر أن تصفية الاستعمار لا تكتمل دون تصفية آثاره الترابية

غير أن هذا الموقف اصطدم برفض فرنسي قاطع، إذ كانت فرنسا تعتبر الصحراء مجالاً حيوياً لمصالحها، خاصة في ظل حرب الجزائر وتنامي الرهانات الاستراتيجية فيها.

ثانياً: رفض محمد الخامس للتجارب النووية الفرنسية

مع نهاية الخمسينيات، دخلت فرنسا سباق التسلح النووي، واختارت الصحراء الجزائرية كموقع رئيسي لتجاربها النووية. هذا القرار لم يكن تقنياً فقط، بل كان سياسياً بامتياز.

1. الصحراء كفضاء نووي

اختيار الصحراء لم يكن صدفة، بل نتيجة:
• بعدها الجغرافي عن المراكز الأوروبية
• ضعف الكثافة السكانية
• السيطرة العسكرية الفرنسية عليها
• اعتبارها مجالاً “تابعاً” يمكن استغلاله دون محاسبة دولية كافية

2. موقف محمد الخامس

اتخذ محمد الخامس موقفاً رافضاً بوضوح لهذه التجارب، واعتبرها:
• تهديداً مباشراً لسكان المنطقة
• انتهاكاً لسيادة دول المغرب الكبير
• خطراً بيئياً وإنسانياً طويل الأمد

كما رفض أي تصور يجعل من الصحراء فضاءً عسكرياً دائماً للقوى الاستعمارية، مؤكداً أن مستقبل المنطقة يجب أن يكون مدنياً وتنموياً، لا عسكرياً نووياً.

هذا الرفض شكّل مصدر توتر إضافي مع فرنسا، خاصة وأن التجارب النووية كانت تُعد مشروعاً سيادياً فرنسياً غير قابل للتنازل في تلك المرحلة.

ثالثاً: موريتانيا وإعادة تشكيل المجال المغاربي

في سياق متصل، دعمت فرنسا بقوة استقلال موريتانيا سنة 1960، وهو ما رفضه المغرب في البداية ضمن تصور أوسع لوحدة المجال المغاربي.

1. منطق فرنسا في دعم استقلال موريتانيا

لم يكن استقلال موريتانيا مجرد خطوة نحو تصفية الاستعمار، بل:
• وسيلة لفصل المغرب عن عمقه الإفريقي
• أداة لتفكيك أي مشروع وحدوي مغاربي
• ضمان استمرار النفوذ الفرنسي عبر دولة حديثة العهد بالاستقلال

2. الموقف المغربي

رأى المغرب أن:
• موريتانيا كانت جزءاً من المجال التاريخي المغربي
• استقلالها تم في إطار هندسة استعمارية
• الهدف لم يكن فقط الاستقلال، بل إعادة رسم التوازنات الإقليمية

وقد أدى هذا الخلاف إلى توتر دبلوماسي حاد، خاصة داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث دافعت فرنسا بقوة عن الاعتراف الدولي بموريتانيا.

رابعاً: وفاة محمد الخامس سنة 1961 والسياق السياسي

في 26 فبراير 1961، توفي محمد الخامس بعد مضاعفات عملية جراحية. من الناحية التاريخية والطبية، تُعد الوفاة حدثاً موثقاً ، غير أن أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في طبيعته الطبية، بل في سياقه السياسي وتداعياته المباشرة.

1. سياق متفجر

وقعت الوفاة في لحظة كانت فيها:
• المفاوضات حول الصحراء في أوجها
• التجارب النووية الفرنسية مستمرة
• ملف موريتانيا لم يُحسم نهائياً
• حرب الجزائر تقترب من نهايتها

2. بين الشك التاريخي والتحليل السياسي

لا يمكن، أكاديمياً، الجزم بوجود تورط فرنسي في وفاة محمد الخامس، لكن:
• التوقيت يطرح تساؤلات مشروعة
• مواقف الملك كانت تعرقل مشاريع استراتيجية فرنسية
• التاريخ السياسي يعرف حالات كثيرة استفادت فيها قوى كبرى من غياب زعامات معارضة

.كان ملف موريتانيا لم ينته بعد و المفاوضات  الجزائرية الفرنسية لم تنته ايضاً

من هنا، فإن الحديث ليس عن اتهام، بل عن تحليل سياقي يربط الحدث بتداعياته.

خامساً: ما بعد وفاة محمد الخامس – التحول الحاسم

اللافت تاريخياً أن عدة تحولات كبرى وقعت مباشرة بعد وفاة محمد الخامس:
1. تسريع تسليم الصحراء للجزائر
• فرنسا قبلت بدمج الصحراء ضمن الدولة الجزائرية الناشئة
• تم تجاهل المطالب المغربية السابقة
• أُغلق عملياً ملف التفاوض حول الحدود الشرقية
2. استمرار التجارب النووية
• رغم اقتراب استقلال الجزائر
• بل واستمرت حتى سنة 1986 بعد الاستقلال
3. تكريس الواقع الحدودي الجديد
• ما أدى لاحقاً إلى حرب الرمال سنة 1963
• وتحويل النزاع من مغربي–فرنسي إلى مغربي–جزائري

تحويل الصراع من مغربي فرنسي إلى مغربي جزائري

الاعتراف بموريتانيا في الأمم المتحدة يوم 27/10/1961

محمد الخامس كان عقبة سياسية حقيقية امام الترتب الحدودي تبعتها تغيرات و تحولات سياسية و جغرافية.

هذه التحولات تعزز فكرة أن غياب محمد الخامس أزال عقبة سياسية مركزية أمام مشاريع فرنسية في الصحراء، دون أن يعني ذلك إثبات تدخل مباشر في وفاته.

هذا من الجانب الفرنسي لنرى الأمور من الجانب الجزائري و ما كسبته من موت محمد الخامس:

الجزائر تحولت بعد الاستقلال من وارث للحدود إلى فاعل واع أعاد توظيف الإرث الاستعماري لصالح مشروع دولة قوي و مركزي و استتمر سياسيا في هذا الإرث .

الجزائر تبنت قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار كسبت به مجالا هائلا للثروات و كسبت منطقة عسكرية استراتيجية

الجزائر بدون الصحراء المسلوبة كانت ضعيفة و اقتصاد منعدم فالصحراء الشرقية المغربية و أراضي دول أخرى من انقذ الجزائر

فالجزائر دولة أعادت توظيف هذا الإرث لبناء شرعية ترابية صلبة حتى لو كان ذلك على حساب منطق التفاوض التاريخيّ مع المغرب.

الصحراء الشرقية المغربية بالنسبة للجزائر درع سياسي أمني حيث كسبت بعد موت محمد الخامس رصيدا استراتيجيا بعيد المدى حيث ان وجود الموارد و التحكم فيها قدم لها مستقبلا اقتصادي كبيرا .

لهذا أنا أقول ان غياب محمد الخامس أزال عقبة تاريخيّة سياسية مركزية أمام مشاريع فرنسا و الجزائر الفرنسية.

.

خاتمة

تُظهر دراسة العلاقة بين فرنسا وملفات الصحراء المغاربية أن الصحراء لم تكن هامشاً جغرافياً، بل قلباً استراتيجياً تشكلت حوله قرارات سياسية وعسكرية كبرى. وقد لعب محمد الخامس دوراً محورياً في مقاومة هذه الترتيبات، سواء عبر مطالبته بالحدود الشرقية، أو رفضه للتجارب النووية، أو موقفه من استقلال موريتانيا.

فوفاته رغم الإعلان على كونها حدثا طبيا فقد شكلت لحظة فاصلة أعقبتها تحولات سياسية عميقة صبت في اتجاه تكريس الترتيب الصحراوي الذي صاغته فرنسا و عليه فإن فهم هذه المرحلة لا يكتمل فقط بالبحت في الأسباب المباشرة و لكن ايضاً بتحليل النتائج و السياق

كما لا يجب ان ننسى ان استغلال الفترة الانتقالية لحكم الحسن التاني اعتبرت بالنسبة لهم فراغا استغلوه أحسن استغلال.

كما ان فرنسا كانت تسعى لإنهاء حرب استنزفتها عسكريا و سياسيا مع الحفاظ على مصالحها في الصحراء و برامجها النووية و الجزائر وجدت كدولة حديثة الولادة نفسها معنية بتبيت وحدتها الترابية معتبرة ان فتح ملف الحدود يهدد مشروع بناء الدولة و غياب محمد الخامس اغلق نسبيا هذا الملف .

التاريخ لا يتبع سبب الوفاة و لكنه يبين بوضوح من صاحب المصلحة.

ويبقى السؤال مفتوحاً: